الثلاثاء، 21 مايو 2019


بسم الله الرحمن الرحيم
النيابة العامة وحماية وتعزيز حقوق الإنسان في السودان
د نصرالدين ابوشيبة
من الاهداف المرجو تحقيقها من فصل النيابة العامة من وزارة العدل تعزيز وحماية حقوق الإنسان وذلك تمشيا مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي كرم الانسان ، والمواثيق والعهود الدولية ذات الصلة ، فقد جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيالمادة (1) منه على
" يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء " وجاء في المادة (2) " لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييزُ علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاًّ أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيِّ قيد آخر على سيادته ". وجاء في المادة (  3 ) " لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه ". وكذلك نصت المادة ( 4 ) " لا يجوز إسترقاقُ أحد ، أو إستعبادُه، ويُحظر الرق والإتجار بالرقيق بجميع صورهما " ، وجاء في المادة (5) لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ، ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية ، أو اللاإنسانية ، أو الحاطَّة بالكرامة. ونصت المادة ( 6) " لكلِّ إنسان، في كلِّ مكان، الحقُّ بأن يُعترَف له بالشخصية القانونية ". وكذلك نص في المادة ( 7 ) " الناسُ جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقِّ التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز ". كما نصت المادة ( 9 ) " لا يجوز إعتقالُ أيِّ إنسان ، أو حجزُه ، أو نفيُه تعسُّفًا ". كما نصت المادة ( 10 )  " لكلِّ إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحقُّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا مُنصفًا وعلنيًّا، للفصل في حقوقه وإلتزاماته ، وفى أيَّة تهمة جزائية تُوجَّه إليه " وجاء في المادة ( 11 )
( 1 ) كلُّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وُفِّرت له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.
( 2 ) لا يُدان أيُّ شخص بجريمة بسبب أيِّ عمل ، أو امتناع عن عمل ، لم يكن في حينه يشكِّل جُرمًا بمقتضى القانون الوطني ، أو الدولي، كما لا تُوقَع عليه أيَّةُ عقوبة أشدَّ من تلك التي كانت ساريةً في الوقت الذي ارتُكب فيه الفعل الجُرمي.
 واتساقا مع ما جاء في وثيقة الحقوق المدرجة في دستور السودان لسنة 2005 ، وكذلك اتساقا مع المبادئ والمعايير الدولية والإقليمية ذات الصلة بالنيابة العامة والتي دعت لحماية حقوق الانسان مثل المبادئ التوجيهية المتعلقة بأعضاء النيابة العامة التي إعتمدها مؤتمر الامم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي إنعقد في هافانا بكوبا في الفترة 27 أغسطس وحتى 7 سبتمبر 1990
 وتوصية المجلس الأوربي رقم 19/2000 الخاصة باللجنة الوزارية للدول الأعضاء بشأن دور النيابة العامة في نظام  العدالة الجنائية والمعايير الأفريقية المتعلقة بإستقلال القضاة ، والمحامين ، وأعضاء النيابة العامة ومعايير المسئولية المهنية وضمان الواجبات والحقوق الأساسية الخاصة بأعضاء النيابة العامة الصادرة من الإتحاد الدولي لأعضاء النيابة العامة .
         وقد نص دستور السودان الإنتقالي لسنة 2005 في الباب الثاني على وثيقة الحقوق ماهية وثيقة الحقوق فقد نصت المادة ( 27 ) منه على  تكون وثيقة الحقوق عهد ا بين كافة أهل السودان، وبينهم وبين حكوماتهم على كل مستوى، والتزام  من جانبهم بأن يحترموا حقوق الإنسان والحريات الأساسية المضمنة في هذا الدستور وأن يعملوا على ترقيتها؛ وتعتبر حجر الأساس للعدالة الاجتماعية والمساواة  والديمقراطية في السودان.
      وقد الزمت المادة المذكورة الدولة بحماية هذه الوثيقة وتعززها وتضمنها وتنفذها ، وأعتبرت كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جز ء لا يتجزأ من هذه الوثيقة.
 ووفقا لذات المادة المذكورة سابقا  تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة فى هذه الوثيقة ولا تصادرها أو تنتقص منها. (
وقد حدد الستور المذكور عددا من الحقوق ذات العلاقة بالعدالة الجنائية هي :
1 / الحياة والكرامة الإنسانية ، فقد نصت المادة 28 على أن لكل إنسان حق أصيل في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية, ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي إنسان من الحياة تعسف  .
2 / الحرية الشخصية : نصت المادة 29 على أن لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها إلا لأسباب ووفق ا لإجراءات يحددها القانون.
3 / المساواة أمام القانون : نصت المادة 31 على أن  الناس سواسية أمام القانون, ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الُلغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي.
4 / الحُرمة من التعذيب : نصت المادة على انه  لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو معاملته على نحوٍ قاسٍ أو لا إنساني أو مُهين.
المحاكمة العادلة :نصت المادة 34 على الآتي :
أ - المتهم برئ حتى تثبت إدانته وفق ا للقانون.
 ب - يُخطر أي شخص عند القبض عليه بأسباب القبض ويُبلغ دون تأخير بالتهمة الموجهة ضده.
 ج - يكون لأي شخص, تُتخذ ضده إجراءات مدنية أو جنائية, الحق في سماع عادل وعلني أمام
محكمة عادية مختصة وفق ا للإجراءات التي يحددها القانون
د - لا يجوز توجيه الاتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل (
أو الامتناع جريمة عند وقوعه.
ه - يكون لكل شخص الحق في أن يُحاكم حضوري بدون إبطاء غير مبرر في أي تُهمة جنائية,
وينظم القانون المحاكمة الغيابية.
 و - يكون للمتهم الحق في الدفاع عن نفسه شخصي ا أو بوساطة محامٍ يختاره، وله الحق في أن
توفر له الدولة المساعدة القانونية عندما يكون غير قادرٍ على الدفاع عن نفسه في الجرائم بالغة
الخطورة
مهام واختصاصت النيابة العامة وسلطاتها :-
حددت المادة ( 11 ) من قانون النيابة العامة لسنة 2017 وهي تتمثل في الآتي :
1.     تمثيل الدولة والمجتمع في الإدعاء العام والتقاضي في المسائل الجنائية .
2.     الإشراف على إجراءات ما قبل المحاكمة وأخذ العلم بأي جريمة والتحري فيها .
3.     الأشراف على سير الدعوى الجنائية والتحري وتولي إجراءات التحقيق فيها وإتخاذ جميع الإجراءات والتدابير المتعلقة بها وفقا لأحكام القانون .
4.     تولي النظر والتحري والإشراف على التحري والعمل بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى على مكافحة الفساد والثراء الحرام والمشبوه وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وجرائم المخدرات وحماية الأطفال وجرائم الإتجار بالبشر وكافة الجرائم عبر الوطنية .
5.     الإشراف على إجراءات الأجهزة العدلية المساعدة .
6.    حماية المصلحة العامة ، والتصرف بموضوعية وبالمراعاة الواجبة لموقف أطراف الدعوى الجنائية والإهتمام بكافة الظروف ذات الصلة سواء كانت لصالح المتهم أو ضده .
7.     العمل على تعزيز التعاون الدولي للنيابة العامة مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة بأعمال النيابة العامة .
8.     إبداء الرأي حول القوانين والإتفاقيات الإقليمية والدولية ذات الصلة والتوصية بشأنها .
9.     بسط سيادة حكم القانون وتوفير العدالة الناجزة ي النظام العدلي .
10.  أي إختصاصات أو سلطات أخرى مخولة لها بموجب أحكام أي قانون آخر .
المبادئ التي يجب مراعاتها عند تطبيق قانون االنيابة العامة
 يجب أن تراعى عند تطبيق أحكام هذا القانون المبادئ الآتية :  
(أ) أن يكون الأشخاص الذين يختارون لشغل وظائف النيابة العامة من ذوي النزاهة والمقدرة والحاصلين على المؤهلات العلميةاللازمة لشغل تلك الوظائف،
(ب)    تضمن الدولة أن يتم اختيار أعضاء النيابة العامة دون تحيز أو محاباة أو تمييز ضد الأشخاص يستند إلى العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الأصل العرقي أو أي وضع آخر،
(ج)    ينبغي لأعضاء النيابة العامة، بوصفهم أطرافا أساسيين في مجال إقامة العدل، الحفاظ دوماً على شرف مهنتهم وكرامتها،
(د)     يمتنع أعضاء النيابة العامة عن مزاولة أي عمل يتعارض مع مقتضيات عملهم،
(ه)    يؤدى أعضاء النيابة العامة دوراً فعالاً في الإجراءات الجنائية، والاضطلاعبالتحقيق في الجرائم والإشراف على قانونية التحرياتوالتحقيقات، والإشراف على المنتظرين قيد التحري والتحقيق بالسجون،وممارسة مهامهم الأخرى باعتبارهم ممثلين للصالح العام،
(و)     يؤدي أعضاء النيابة العامة واجباتهم وفقا للقانون ، بإنصاف واتساق، واحترام كرامة الإنسان وحمايةومساندة حقوق الإنسان،
(ز)     أعضاء النيابة العامة ملتزمون بأداء وظائفهم دون تحيز، واجتناب جميع أنواع التمييز السياسي أو الاجتماعي أو الديني أو العرقي أو الثقافي أو الجنسي أو أي نوع آخر من أنواع التمييز،
(ح)    يولى أعضاء النيابة العامة الاهتمام الواجب بعدم حفظ الدعاوي المتصلة بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون، ولاسيما ما يتعلق منها بالفساد، وإساءة استعمال السلطة، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وغير ذلك من الجرائم التي ينص عليها القانون الدولي.
استقلال النيابة العامة وأعضائها :  أحد ضمانات قيام النيابة بواجبها في حماية حقوق الإنسان هو إستقلالها وقد أكدت المادة "9" من قانون النيابة العامة حيث نصت على الآتي :
1/ تكون النيابة العامة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ولها الإستقلال الإداري والمالي اللازم .
2 / أعضاء النيابة العامة مستقلون في آداء واجباتهم ولا يجوز التأثير عليهم ولا سلطان عليهم في ذلك لغير القانون .
وإستقلال النيابة النيابة  لايعني فقط عدم تبعيتها للجهاز التنفيذي أو التشريعي بل يعني أن تصدر القرارات من أعضائهابصورة حيادية ، غير متأثرة بمصلحة خاصة ، أو مصلحة سياسية ، فيجب أن تكون مرجعية عضو النيابة في أداء واجبه هي القانون فقط ، وأن يكون لها الإستقلال الإداري والمالي اللازم ، بمعنى أن تنفرد النيابة العامة بإدارة شئونها الداخلية والخارجية دونما رقابة من أي سلطة أخرى في الدولة ويجب أن يمثل عضو النيابة العامة معني الإستقلال الفردي والمؤسسي للنيابة العامة . ولا بد من الأخذ في الإعتبار أن إستقلال النيابة العامة لا يعني الإنفصال عن الدولة ، وهو يهدف بالأساس إلى حماية حقوق الأفراد والجماعات ومكتسبات الدولة ، ومكافحة الجريمة والمجرمين ، والسعى إلى تحقيق العدالة .
ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن إستقلال النيابة العامة لا يعني أن تعمل بمنأى عن المحاسبة والمساءلة ، فهي تتمتع بنظام محاسبة ومساءلة خاص يتفق مع متطلبات الإستقلالية ، كما انها مسئولة لدى رئيس الجمهورية عن أدائها ، وكذلك لا تعني الإستقلالية عدم التعاون مع باقي السلطات في الدولة ، أو حتى مؤسسات المجتمع الأخرى ، فهي في الأصل سلطة من سلطات الدولة ، ومن الواجب عليها التعاون من أجل إيجاد نظام عدالة جنائية فعال يحقق العدالة في البلاد .
  مظاهر إستقلال النيابة العامة :
أ – الإستقلال عن السلطة التشريعية  والسلطة التنفيذية  ، ويمكن ان نصف ذلك بالإستقلال المؤسسي ، فالنيابة العامة مؤسسة قائمة بذاتها ، مستقلة عن غيرها من المؤسسات في الدولة ، وهذا الامر يستوجب ان تكون النيابة العامة مستقلة إداريا ، وماليا بالقدر اللزم للقيام بواجباتها .
ب – إستقلال أعضاء النيابة العامة في آداء واجبهم ، فلا سلطان عليهم في ذلك إلا للقانون وعليه يجب عليهم أداء واجباتهم بصدق وتجرد وأن تصدر منهم القرارات مستندة إلى القانون فقط وليس لاي إعتبار آخر ، ويترتب على ذلك شعور عضو النيابة العامة بانه محصن من العزل ولا يجوز فصله إلا وفقا لما نص عليه القانون[1] ،  وبالتالي يؤدي عمله دون خوف
ج – قدرة أعضاء النيابة العامة على أداء وظائفهم المهنية بدون تخويف إو تعويق أو مضايقة أو تدخل أو تعريضهم دون مبرر للمسئولية المدنية أو الجنائية أو غير ذلك من المسئوليات .
د – كفالة الدولة تحقيق حياة كريمة لأعضاء النيابة العامة .
ه – ان تكون ترقيات أعضاء النيابة العامة وفقا لإجراءات منصفة ونزيهة قائمة على أسس موضوعية وعلى وجه الخصوص القدرة والنزاهة ومدة الخدمة ( الخبرة)
وقد نص قانون النيابة العامة لسنة 2017 على المبادئ المذكورة سابقا وهي مستمدة من المبادئ التوجيهية المتعلقة بأعضاء النيابة العامة التي إعتمدها مؤتمر الامم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي إنعقد في هافانا بكوبا في الفترة 27 أغسطس وحتى 7 سبتمبر 1990 .
ولا بد من الأخذ في الإعتبار أن النيابة العامة ينبغي أن تكون لها وسائل وآليات تضمن من خلالها عدم إساءة إستخدام أعضاء النيابة العامة لميزة إستقلال النيابة ، وبالإطلاع على قانون النيابة العامة نجد أنه وضع الأساس لهذه الوسائل ومنها مايلي :
أولا : الإلتزام بتطبيق القانون : يشكل الإلتزام بتطبيق أحكام القانون من جانب أعضاء النيابة العامة ضمانة حقيقية لعدم إساءة إستخدام السلطة الممنوحة لهم ، وحيث إن القانون هو الذي نص على إستقلال النيابة العامة لذا فإن التمسك به يعد ضامنا لهذه الإستقلالية .
ثانيا: المجلس الاعلي للنيابة العامة : فمن سلطات هذا المجلس الواردة في المادة ( 5 ) من القانون وضع السياسة العامة والشئون العامة لسلطة النيابة العامة ، وحماية إستقلال أعضاء النيابة العامة ، وكذلك إجازة التقرير السنوي عن أوضاع النيابة العامة وسياسة التعيين ومعايير التقييم المتبعة وأنواع أي جزاءات إدارية تم فرضها وعددها ومع بيان ما يتم تنفيذه من خطط وبرامج لتحسين الأداء وزيادة الفعالية وتعزيز النزاهة والشفافية ، وكذلك دراسة أي تقارير مرفوعة إلى المجلس عن سير العمل في النيابات العامة وإتخاذ القرارات اللازمة بشأنها وفق أحكام القانون  ، فكل ما ذكر يجعل المجلس المذكور واحدة من ضمانات المحافظة على إستفلال النيابة العامة ومنع إساءة إستخدام هذه الإستقلالية حتى من أعضاء النيابة العامة أنفسهم وذلك بوضع السياسة العامة التي تحقق هذا الهدف .
ثالثا : وجود نظام فعال لنظر الشكوى ضد أعضاء النيابة العامة ومحاسبتهم :
 وذلك حسبما ورد في المواد 49 إلى 52 فقد جاء في المادة 49 :
( 1 ) تقدم الشكوى ضد أعضاء النيابة العامة إلى النائب العام مباشرة أو إلى رئيس النيابة العامة بالولاية .
( 2 ) يجوز للنائب العام ان يحيل الشكوى التي تقدم إليه أو إلى رئيس النيابة العامة ضد عضو النيابة ، لمن يختاره من وكلاء النيابة الأعلى درجة من وكيل النيابة المقدمة ضده الشكوى ، وذلك لإجراء التحقيق اللازم فيها ورفع تقريره وتوصياته بشأنها للنائب العام .
( 3 ) إذا تبين من التحقيق المنصوص عليه في البند ( 2 ) وجود ما يستدعي تنبيه وكيل النيابة المعني أو محاسبته ، فيتخذ النائب العام حياله ما يراه مناسبا وفقا لأحكام القانون .
 ونصت المادة ( 50 ) من ذات القانون على :
( 1 ) يقدم للمحاسبة كل وكيل نيابة يخل بواجبات وظيفته أو بشرف مهنته أو يسلك ، سواء بفعل أو إمتناع ، سلوكا يحط من قدره ، أو لا يليق بمركزه الرسمي ، أو يتغيب عن الخدمة ، أو يتركها ، أو يحكم بإدانته في جريمة تمس الشرف أو الأمانة ، أو يخالف لائحة سلوك أعضاء النيابة العامة الصادرة بمةجب أحكام هذا القانون .
( 2 ) تحدد اللوائح الإجراءات الواجب إتباعها في شأن محاسبة أي عضو نيابة عامة ، بما في ذلك تشكيل مجالس المحاسبة وأنواعها وإختصاصاتها وسلطاتها .
( 3 ) يجب على مجلس المحاسبة أن يتيح لعضو النيابة العامة المراد محاسبته الفرصة للدفاع عن نفسه .
وكذلك نصت المادة 51 على التحقيق حيث جاء فيها : لا يجوز محاسبة عضو النيابة العامة إلا بعد إجراء تحقيق مكتوب ، وفقا لما تحدده اللوائح . وحددت النادة 52 الجزاءات التي يجوز لمجلس المحاسبة أن يوقعها عند إدانة أي عضو نيابة عامة وهذه الجزاءات هي :
( أ ) التنبيه .
( ب ) الإنذار .
(ج ) الخصم من المرتب لمدة لا تجاوز ثلاثين يوما .
( د ) الحرمان من الترقية لمدة لا نجاوز سنتين من التاريخ الذي يحدده المجلس .
( ه ) الفصل ، على أن يكون وجوبيا في حالة إدانة عضو النيابة العامة في جريمة مخلة بالشرف والأمانة .
رابعا : نظام الإستئناف :هذا النظام يقوم على جواز إستئناف القرارات والأوامر التي تصدر من أعضاء النيابة العامة في الدعوى الجنائية ، وبالتالي يمكن للجهات الأعلى في النيابة العامة من مراقبة القرارات التي تصدر من الدرجة الأدني وذلك من خلال كفالة حق الإستئناف لأطراف الدعوي الجنائية ، بل منح قانون الإجراءات الجنائية في المادة ( 55 /3 ) منه النائب العام وأي عضو نيابة عامة أعلى بالنيابة أن يطلب في أي وقت أثناء التحري وضع المحضر أمامه وأن يصدر أي توجيهات بشأنه ، وكذلك نجد أن المادة ( 21 ) من القانون المذكور سابقا قد نصت على الأتي :
1-        يرفع عضو " وكيل " النيابة قراره بشطب الدعوى الجنائية إلى رئيسه المباشر، فإذا أيده يرفع لرئيس النيابة العامة بالولاية .
2-        يستأنف قرار عضو " وكيل " النيابة برفض فتح الدعوى الجنائية ، أو برفض توجيه التهمة وقراره بتوجيه التهمة ، أو بالضبط المقيد للحرية في النفس ، أو المال لرئيسه المباشر .
3-        يستأنف القرار النهائي لوكالة النيابة المتعلق بحجز الأموال لقاضي محكمة الإستئناف
      ولا بد من الإشارة إلى أن لائحة لتنظم عمل وكالات النيابة لسنة 1998 قد نظمت إجراءات إستئناف القرارات والأوامر الصادرة  من النيابة العامة ، وقد تم مؤخرا بعد فصل النيابة العامة من وزارة العدل وذلك لإستيعاب هذا المتغير الجديد ، وكان ذلك في عام 2017 ، ويمكن الإطلاع على هذه اللائحة في الملحق المرفق  في أخر هذا الكتاب .ولا شك أن قابلية قرارات أعضاء النيابة العامة للإستئناف يشكل ضمانة قوية لعدم إنحرافها عن صحيح القانون .
خامسا : حظر مزاولة أي أعمال لا تتفق مع إستقلال النيابة : وقد تم النص على هذه الضمانة في المادة 48 / ب من قانون النيابة العامة لسنة 2017 .
سادسا :التبعية الإدارية : ذكرنا سابقا أن من خصائص النيابة العامة التبعية الإدارية ، وهذه التبعية تشكل أيضا أحد ضمانات عدم إساءة إستخدام سلطة النيابة المستقلة ، وذلك لأن عضو النيابة العامة يعلم أن هناك جهة إدارية أعلى داخل الهيكل الوظيفي للنيابة العامة مسئولة منه إداريا ، وهذا الجهة يمكن أن تتدخل عند إنحرافه عن الضوابط القانونية التي يجب عليه الإلتزام بها أثناء قيامه بواجباته الوظيفية .
            وقد تجلى إهتمام النبابة العامة في السودان والعناية بها بأن خصت لها إدارة من إداراتها تسمى إدارة التعاون الدولي وحقوق الإنسان ، وحماية حقوق الإنسان وتعزيزها بواسطة النيابة العامة تتم عبر عدة محاور نذكر منها ما يلي :
المحور الأول : المحور القانوني :
أولا : الإشراف على سير الدعوى الجنائية ، ويكون ذلك بإنصاف وإتساق وإحترام كرامة الإنسان وحماية ومساندة حقوق الإنسان ، ودون تحيز لطرف على حساب طرف آخر في الدعوى الجنائية
ثانيا : المرور اليومي على الحراسات ، وذلك للتأكد من سلامة إجراءات القبض على المتهمين ومعاملتهم وفقا لأحكام القانون .( م 81 إجراءات جنائية لسنة 1991 )
ثالثا : تفقد حراسات المعتقلين بصفة مستمرة للنأكد من مراعاة ضوابط الإعتقال وإستلام أي شكوى من معتقلين بهذا الشأن وفقا لماجاء بالمادة 51 /8 من قانون الامن الوطني لسنة 2010، وهذا الإختصاص حصري على عضو النيابة الذي يحدده النائب العام .
رابعا : وفقا لقانون تنظيم السجون ومعاملة النزلاء  لسنة 2010 لأعضاء النيابة العامة حق
زيارة السجن كزوار رسميين ويحق لهم القيام بالآتي :
أ / الإطلاع على دفاتر ومستندات السجن والمحررات المتعلقة بالنزلاء .
ب / زيارة وحدات السجن وهقابلة النزلاء .
ج / تفتيش وتزوق طعام النزلاء والتأكد من إستلام النزلاء للكميات المقررة لهم من الطعام .
د / التأكد من أن القوانين المختصة والأوامر الصادرة مطبقة تطبيقا سليما .
ه / تدوين ملاحظاتهم بدفتر زيارة السجن وكتابة تقرير عن نتائج زيارتهم لمدير السجن .
 خامسا :  لأعضاء النيابة العامة وفقا لقانون الطفل لسنة لسنة 2010 سلطة القيام بالآتي :
1-        الإستعانة بالخبراء في علم النفس ، وعلم الإجتماع للمساعدة في أي تحريات تجريها سواء كان الخبراء يتبعون لجهات رسمية أو طوعية . ( م 60 / 4 ) .
2-        إجراء التحري في قضايا الأطفال الجانحين أو الضحايا . ( م 60 / 5 ) .
3-        الإشراف على التحريات في قضايا الأطفال وتوجيه التحري فيها ( م 61 / أ)
4-        الإشراف على سير الدعوى الجنائية ( م 61 /ب )
5-        توجيه التهمة في الجرائم التي  ترتكب ضد الأطفال أو بواسطتهم.  ( م 61 / ج )
6-        مباشرة الإدعاء أمام محاكم الأطفال ( م 61 / د )
7-        إحالة القضايا إلى أي جهة مختصة تراها مناسبة لإتخاذ ماتراه مناسبا .( 61 / 2 )
سادسا : استنادا لقانون حماية البيئة لسنة 2001 يجوز لأعضاء النيابة العامة منح الإذن للجهات المختصة  لدخول وتفتيش أي منشأة أو مشروع ، أو مكان ، أو خلاقه وذلك لضبط ، أو وقف ، أو منع المخالفات لأحكام هذا القانون ( م 25 ) .
سابعا : استنادا لقانون الصحة العامة القومي لسنة 2008 يكون لأعضاء النيابة العامة السلطات الآتية :
1-        إصادر أمر تفتيش للسلطات الصحية المختصة من أجل أن تدخل ، أو أن تأمر من تعينه بالدخول وتفتيش أي مبنى ، أو مكان ، أو عربة ، أو سفينة ، أو طائرة متى كان لديه إعتقاد ، أو إشتباه معقول بأن شخصا مصابا بمرض معد قد  إختفى ، أو أخفي في ذلك المكان .( م 14 ) ,
2-        إصدار الأمر بنبش القبر وذلك لأغراض الطب الشرعي ، أو لأي من الأسباب التي يراها مناسبة ( م 33 / 1 ) .
 والسلطات المذكورة في الفقرة السابقة تحمي حق الإتسان في الصحة  ، وحقه في تحقيق العدالة ومعرفة السبب الحقيقي للوفاة .
المحور الثاني : الإنتشار الأفقي للنيابات العامة في كل محليات السودان مما أدى لسهولة الوصول للعدالة لطالبيها من المواطنين والمقيمين بالسودان دون تمييز أو تحيز .
المحور الثالث : المناوبات : تتبع النيابة العامة نظام المناوبات بعد إنتهاء يوم العمل الرسمي مما أدي لتوفير خدمة العدالة ، وأصبحت النيابة تعمل بموجبه على مدار الأربعة وعشرين ساعة .





[1] - نصت المادة 46 من قانون النيابة العامة لسنة 2017 على  الآتي : ( 1 ) دون المساس بأحكام المواد 26 ( 1 ) ( ب ) ( ثانيا ) لا يجوز عزل عضو النيابة العامة  .
( 2 ) لا يجوز فصل أعضاء النيابة العامة إلا بموجب قرار من مجلس محاسبة بعد تأييده من رئيس الجمهورية .

الخميس، 4 أبريل 2019


المبحث الثاني
مصادر القانون التجاري
       مصادر القانون التجاري هي التشريع والعرف والعادات التجارية والقانون المدني والقضاء والفقه التجاري ، وسنتناولها فيما يلي بإيجاز ثم نختم هذا المبحث بتوضيح المصادر الدولية للقانون التجاري وكل ذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: التشريع:
       التشريع هو المصر الأول للقانون التجاري فالمشرع هو الذي يقوم بإصدار التشريعات والقوانين والتي تصبح سارية بعد نشرها في الجريدة الرسمية[1].
       وفي السودان أصدر المشرع العديد من التشريعات التي تحكم العمل التجاري ومنها على سبيل المثال قانون الكمبيالات لسنة 1917م وقانون الإفلاس لسنة 1929  وقانون الشركات لسنة  2015 وغيرها من التشريعات[2].
المطلب الثاني: العرف:
       إن القانون التجاري نشأ في إيطاليا نتيجة للأعراف التي كانت سائدة في مدنها، ولا زال العرف هو أحد المصادر الأساسية للقانون التجاري. والعرف التجاري هو: (مجموعة من العادات التجارية تواتر العمل بها حتى أصبح الاعتقاد في أذهان التجار بضرورة أخذها والالتزام بها دون أن يتم النص عليها في العقد أو في القانون)[3].
       والعرف إما أن يكون عرفاً خاصاً بتجارة معينة أو أن يكون عرفاً عاماً يحكم جميع المعاملات التجارية، كما أنه يمكن أن يكون عرفاً شاملاً لكل البلاد ولهذا يقدم العرف الخاص على العرف العام والعرف المحلي على العرف الشامل للدولة، كما يمكن أن يوجد عرف دولي يسري في عدة دول بشأن نظام تجاري معين[4].
       والأمثلة على القواعد العرفية كثيرة منها قاعدة افتراض التضامن بين المدنيين في المعاملات التجارية، وقاعدة عدم جواز تجزئة الحساب التجاري وقاعدة الاكتفاء بإنذار المدين بخطاب عادي من ثم إنذاره بورقة رسمية[5].
المطلب الثالث: العادات التجارية:
       يقصد بالعادة التجارية (اعتياد الأفراد على إدراج شرط معين في عقودهم وغير مخالف للنظام العام والآداب. بحيث يمكن القول بوجود هذا الشرط ضمناً دون النص عليه صراحة في العقود نتيجة استقراره في المعاملات التجارية وتسمى هذه بالعادات الاتفاقية)[6].
الفرق بين العرف والعادة:
       تتمثل الفروقات بين العرف والعادات فيما يلي[7]:
1.     العرف التجاري ملزم للطرفين ما لم يتم الاتفاق صراحة على استبعاده فهو يطبق ولو ثبت عدم علم المتعاقدين بوجوده. أما العادة التجارية فإن إلزاميتها مستمدة من رضاء المتعاقدين بها صراحة أو ضمناً.
2.     يعتبر تطبيق العرف التجاري مسألة قانونية لذا فإن تطبيقه يعتبر خطأ في تطبيق القانون وبالتالي يوجب نقض الحكم. أما تطبيق العادة التجارية فيعتبر من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع والخطأ في تطبيقها لا يوجب نقض الحكم.
3.     إثبات وجود العرف التجاري يقع على من يتمسك به، كما أنه يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الخاص في هذا الأمر دون أن يطلب ذلك الأطراف في المسألة محل النزاع. أما العادة التجارية فإن عبء إثباتها يقع على من يتمسك بها لوحده ولا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي بها ويتم إثباتها بكافة طرق الإثبات.
أهمية العادات الاتفاقية التجارية:
       تعود أهمية العادات الاتفاقية التجارية في مجال العمل التجاري لأمرين[8]:
الأول: السرعة التي تميز العمل التجاري تؤدي إلى أن يقوم التجار بعدم تضمين العقود التي يبرمونها كل الشروط التي تحكم معاملاتهم التجارية لعدم توفر الوقت الكافي لديهم، لذلك يتم الأخذ بالعادات الاتفاقية التجارية نسبة لانصراف إرادتهم الضمنية لها .
ثانياً: أن العادات الاتفاقية التجارية خاصة بالتجار وهم عادة يتعاملون بها فلا حاجة إلى أن ينصوا عليها في العقود التي يبرمونها والتي تكون متصلة بنشاطهم التجاري.
       ومن أمثلة العادات الاتفاقية التجارية إنقاص الثمن بدلاً من فسخ البيع إذا كانت البضاعة محل البيع أقل جودة من المتفق عليها أو كانت كميتها أقل من الكمية في عقد البيع. وكذلك جرى العمل على إتباع مسلك معين في حزم البضائع في بعض البيوع التجارية. وكذلك جرت العادة أن السكوت الطويل عن الرد على الإيجاب الصادر من الطالب للبضاعة من شركة أو مصنع معين يعتبر قبولاً للإيجاب في المسائل التجارية[9].
المطلب الرابع للقانون المدني:
       القانون المدني هو الشريعة العامة التي تحكم العلاقات الخاصة بين الأفراد فيما لم يرد بشأنه  نص في أي قانون آخر. فيجب على القاضي إذا لم يجد أي نص في القانون التجاري أو العرف التجاري يحكم النزاع المطروح أمامه أن يقوم بتطبيق أحكام القانون المدني باعتباره الشريعة العامة كما ذكرنا سابقاً[10].
المطلب الخامس: القضاء:
       يعتبر القضاء من المصادر التفيسرية للقانون التجاري وهو من قبيل المصادر الاستثنائية – والمقصود بالقضاء مصدر تفسيري للقانون التجاري مجموعة الأحكام والحلول القضائية المستقر عليها في حل المنازعات التجارية المعروضة على المحاكم[11].
       والقاضي هو الذي يقوم بتطبيق القانون لذا فهو الذي يستطيع الوقوف على مواطن العجز والنقص ومواضع العيوب التي تجعل النص التجاري غير واضح أو غير كاف في حكم بعض المعاملات التجارية كما أن القضاء يقوم بدور كبير في تحديد بعض الأعراف والعادات التجارية[12].
المطلب السادس: الفقه التجاري:
       يقصد بالفقه التجاري (مجموعة آراء الفقهاء المتخصصين في القانون التجاري والذين يقومون بدراسة وتفسير وتحليل أحكامه)[13]
       والفقه من المصادر التفسيرية للقانون التجاري كما هو الحال بالنسبة للقضاء وهو من المصادر التي يستأنس بها القاضي في الوصول إلى الحكم في النزاع التجاري المعروض عليه وهو مصدر اختياري بالنسبة للقاضي كما أن الفقه يساعد المشرع في تفسير القواعد التشريعية وبيان العيوب أو النقص الذي قد يشوب هذه القواعد كما يساعد في إيجاد المعالجات والحلول لها. والفقه التجاري له دور كبير في إثبات القواعد العرفية التي تحكم التعاملات التجارية كما يقوم بتفسيرها[14].
المطلب السابع: المصادر الدولية للقانون التجاري:
       لا شك أن التجارة عندما بدأت – ولا زالت – قد اكتسبت الصفة الدولية لذا كثيراً ما يثور التنازع بين القوانين الدولية والمحلية في المجال التجاري وهذا الأمر أدى إلى التفكير في توحيد قواعد القانون التجاري لتفادي حالات التنازع بين القوانين وبالتالي تنعم التجارة بالاستقرار والثقة والطمأنينة، وقد بدأ هذا التفكير في نهاية القرن التاسع عشر وصولاً لهذا الهدف نشأت بعض الهيئات التي أخذت على عاتقها العمل على توحيد أحكام القانون التجاري في لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي ومنها معهد توحيد القانون الخاص بروما، ومنها غرفة التجارة الدولية وغيرها من المنظمات والهيئات[15].



[1]  القانون التجاري – د. محمد توفيق السعودي – مرجع سابق ص 24
[2]  مبادئ القانون التجاري – د. مصطفى حلمي عابدين – مرجع سابق – ص24
[3]  القانون التجاري – د. محمد توفيق السعودي – مرجع سابق ص 27
[4]  المرجع السابق – ص 28
[5]  المرجع السابق – ص29
[6]  المرجع السابق – ص 20
[7]  المرجع السابق – ص 32 - 33
[8]  المرجع السابق – ص 21
[9]  المرجع السابق – ص21 / 32
[10]  المرجع السابق – ص31
[11]  المرجع السابق - 35
[12]  المرجع السابق – ذات الصفحة
[13]  المرجع السابق – ص37
[14]  المرجع السابق – ص37
[15]  المرجع السابق – ص38

الاثنين، 26 فبراير 2018

آثار اكتساب الشخصية الاعتبارية
          حددت المادة ( 23 ) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 الأشخاص الإعتبارية ، وهي :
( أ ) الدولة والمؤسسات العامة وغيرها من المنشآت التي يمنحها القانون ششخصية إعتبارية .
( ب ) الهيئات والطوائف الدينية أو أي جهة أخرى ترى الدولة منحها الشخصية الإعتبارية .
( ج ) الأوقاف .
( د ) الشركات التجارية .
( ه ) الجمعيات والمؤسسات المنشأة وفقا لأحكام القانون .
( و ) كل مجموعة من الأشخاص أو الأموال تثبت لها الشخصية الإعتبارية بمقتضى نص في القانون .
حقوق الشخص الإعتباري : حددت المادة 24 من ذات القانون المذكور حقوق الشخص الإعتباري ومنحته حق التمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازما لصفة الإنسان الطبيعية ، وذلك في الحدود التي يقررها القانون ، وهو بالإضافة لما تقدم يكون له :
( أ ) ذمة مالية مستقلة .
( ب ) أهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه ، أو التي يقررها القانون .
( ج ) حق التقاضي .
( د ) موطن مستقل ، ويعتبر موطنه المكان الذي يوجد فيه مركزه الرئيسي في الخارج وله نشاط في السودان يعتبر مركز إدارته بالنسبة للقانون الداخلي المكان الذي توجد فيه الإدارة المحلية .
( 3 ) يكون للشخص الإعتباري من يمثله وفقا لأحكام القوانين الخاصة به .
      يترتب على اكتساب الشركة للشخصية الاعتبارية الآثار التالية :
أولا : الذمة المالية المستقلة : من أهم آثار اكتساب الشركة للشخصية الاعتبارية أن يكون لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم المساهمين والشركاء فيها ، ويترتب على ذلك ما يلى[1] :
أ/ تكون ذمة الشركة هى الضمان العام لدائنيها دون دائنى الشركاء والمساهمين فيها ، وتكون ذمة الشريك هى الضمان العام لدائنيه الشخصيين دون دائنى الشركة ، وعليه لا يجوز لدائنى الشركاء والمساهمين استيفاء حقوقهم قبلهم بالتنفيذ على أموال الشركة ، ولا يجوز لدائنى الشركة استيفاء حقوقهم بالتنغبذ على أموال الشريك .
ب/ تكون حصة الشريك فى الشركة عبارة عن مال منقول وبالتالى تنطبق عليها القواعد التى تطبق على الأموال المنقولة حتى ولو كانت حصة الشريك الى شارك بها فى رأس مال الشركة عقارا، وبمجرد تقديم الشريك لحصته فى رأس المال تنتقل ملكيتها مباشرة إلى الشركة ويكون له فقط حق ملكية أسهم فيها .
ج/ لا يجوز إجراء مقاصة بين دين الشركة ودين أحد الشركاء غيها وذلك استنادا إلى أن كل منهما له ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للآخر ، وعليه فإنه لا يجوز أن يتمسك مدين لأجد الشركاء فى الشركة بإجراء مقاصة فى مواجهته مقابل دينه الذى يطالب به الشركة ولا يجوز كذلك لمدين الشركة أن يطالب بإجراء مقاصة بين المدين المطلوب من لصالح الشركة مقابل دينه على أحد الشركاء فيها .
د/ تعدد واستقلال التفليسات : إذا تم تصفية الشركة أو عجزت عن سداد ديونها فإنه لا يترتب على ذلك إفلاس الشركاء ولا يترتب عليه إفلاس الشركة أو تصفيتها وذلك فى شركات الأموال .
ثانيا : أهلية الشركة : يترتب على اكتساب الشركة للشخصية الاعتبارية أن تكون لها أهلية التصرف فى الحدود التى يحددها سند إنشائها وذلك وفقا لما جاء فى المادة 24/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 وعليه فإن للشركة حق مباشرة أى نشاط تم النص عليه فى بند الأغراض الوارد فى عقد تأسيسها وهى بالتالى فاقدة للأهلية للقيام بأى نشاط أو عمل لم يتم النص عليه فى عقد تأسيسها .
ثالثا : تمثيل الشركة : رغم أن الشركة تتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالتالى هى قابلة لاكتساب الحقوق والقيام بالالتزامات إلا إنه ونسبة لطبيعة تكوين الشركة فإنها لا تستطيع ممارسة نشاطها بنفسها فلابد من وجود أشخاص طبيعيين للقيام بهذه الأنشطة باسم الشركة ولحسابها وهؤلاء الأشخاص هم المديرون ، ومدير الشركة ليس وكيلا عنه وذلك لأن عقد الوكالة يقتضى وجود إرادتين هما إرادة الوكيل وإرادة الموكل ، وفى حالة الشركة فإن إرادة الموكل غير موجودة وذلك لأنه ليس للشخص المعنوى نفسه إرادة إضافة إلى أن الأصيل يمكن لع أن يباشر أعماله دون الحوجة إلى الوكيل ولا يمكن للشركة أن تفعل ذلك .
    ولا يعتبر مدير الشركة وكيلا عن الشركاء وذلك لأنه لو كان وكيلا عنهم للزم تعيينه بإجماعهم وعزله كذلك بإجماعهم وهذا غير متوفر فى الشركة .
          وقد إتجه الفقه القانونى الحديث للأخذ بالنظرية التى أخذ بها فقهاء القانون الألمانى وهى نظرية الجهاز أو الأداة والتى مؤداها أن الشخص المعنوى لا يتصور وجوده دون أجهزة معينة تحقق نشاطه فى الحياة القانونية  بجيث تعتبر هذه الأجهزة جزء لا يتجزأ منه ولا وجود له منفصلا منها فى فى الحقيقة جسمه القانونى الذى يستخدمه لتحقيق أغراضه كما يستخدم الشخص الطبيعى أى عضو من أعضائه ، وعلى ذلك فإن مدير الشركة ليس وكيلا عن الشركة أو الشركاء وفقا لما ذكرنا سابقا بل هو عضو جوهري  في الشركة وعنصر من العناصر الداخلة فى تكوينها وبنيانها ولا تستطيع أن تعمل إلا بواسطته ، ويقوم المدير بأعمال الإدارة والتصرفات التى تدخل فى أغراض الشركة فله أن يقوم بإبرام العقود مع الغير لصالح الشركة ، وله أن يوقع نيابة عنها ويقوم بتمثيلها أمام القضاء والسلطات العامة الأخرى وله أن يقوم كذلك بدفع أنصبة الشركاء من الأرباح التي حققتها الشركة وغير ذلك من الأعمال التي تتطلبها إدارة الشركة[2] .
رابعا : جنسية الشركة : ناهض بعض فقهاء القانون الدولي الخاص فكرة أن يكون للشركة جنسية كالشخص الطبيعي واستندوا على أن الجنسية هى رابطة قانونية وسياسية بين الدولة والأفراد المكونين لها وبها يتحدد عنصر الشهب فى الدولة وهو ما يجعلها عقلا قاصرة على الأشخاص الطبيعيين فقط ومن غير المتصور اعتبار الشخص الاعتباري أحد أفراد الشعب في الدولة ، وأضافوا سببا آخر هو أن الجنسية تقوم أيا على الروابط العاطفية والنفسية التي تنشأ بين الأفراد ووطنهم ، وهذا أمر لا يتوفر قلى الشخص الاعتباري .
        ولكن بالرغم  مما تقدم ذكره فإنه من المسلم به أن للشخص الإعتبارى  جنسية مثله مثل الشخص الطبيعى  وذلك لأن الشحص الإعتبارى تتوفر له أهلية وجوب الحقوق والإلتزامات  فلابد له من  الإرتباط مع دولة يحكم بقانونها  ويحدد الحقوق التى يتمتع بها والإلتزامات الواجبة عليه وتقوم ببسط حمايتها عليه خارج حدودها ويكون تابع لها ، وجنسية الشركة تحدد موطنها أى الدولة التى يكون فيها مركز إدارنها  وذلك بصرف النظر عن جنسية الشركاء فيها  ، أو جنسية الأشخاص القائمين على إدارتها والإشراف عليها وبدون النظر إلى مصدر الأموال المكونة لرأس مالها ، فالعبرة بمكان وجود مركز الإدارة الرئيسى ، فإذا توزعت مراكز الإدارة فبعتد بالمركز الرئيسى للإدارة  دون مراكز الإدارة المحلية أو الفرعية للشركة[3] .
خامسا : الصفة التعاقبية :  من آثار اكتساب الشخصية الاعتبارية أنتكون للشركة صفة وجود دائم لا يزول إلا عبر إجراءات التصفية التى نص عليها القانون، وإجراءات الحذف من السجل ، فالشركة لا تتأثر بموت أحد الشركاء ، أو الحجر عليه ، أو تغير مركزه القانونى[4] ، ومنح الشركة هذه الصفة يدعم استقرار التعاملات معها وهذا أمر مطلوب فى التعاملات التجارية ، بالإضافة إلى أن هذه الصفة تتفق مع وجود الشركة ككيان مستقل عن الآخرين من شركاء ومديرين .
سادسا : حق التقاضي والمقاضاة : يجوز للشركة بصفتها شخصا اعتباريا أن تقوم با تخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتنفيذ ومباشرة حقوقها القانونية  وذلك للمطالبة بالتعويض أو أى تدبير قانونى آخر عن أى ضرر لحق بها  وذلك وفقا لما جاء فى المادة 146 من قانون الشركات لسنة 2015 ،  وإذا كان سبب الدعوى مقررا للشركة  نشأ عن فعل أو امتناع تم أو يزمع إتمامه انطويا على إهمال أو تقصير أو إخلال بواجب أو إخلال بالأمانة من قبل عضو مجلس الإدارة فإنه يجوز للمحكمة أن تأذن لأى تقدم بطلب لها لرفع دعوى باسم الشركة ونيابة عنها  فى الحالات المذكورة وفى هذه الحالة على العضو مقدم الطلب أن يخطر الشركة قبل خمسة عشر يوما بنيته فى التقدم بطلب للمحكمة للحصول على الإذن اللازم لرفع الدعوى . ويجوز للمحكمة أن تمنح الإذن لأى عضو فى الشركة تقدم بطلب لها لمواصلة دعوى رفعتها الشركة استنادا لأحد الأسباب  المذكورة سابقا وذلك إذا كان :
1/ كانت الطريقة الى بدأت بها الشركة الإجراءات القانونية أو الاستمرار فيها يشكل سوء استغلال للإجراءات القضائية ، أو
2/ تقاعست الشركة عن متابعة إجراءات الدعوى بجدية . أو
3/ رأت المحكمة أن مواصلة العضو مقدم الطلب مناسب للحفاظ على حقوق الشركة . كما يجوز مقاضاتها إذا أخلت بأى التزام واجب عليها أو امتنعت عن القيام به ،
        ويجوز وفقا لنص المادة 149 من قانون الشركات لسنة 2015 لأى عضو فى الشركة أن يطلب من المحكمة منحه إذنا لمواصلة دعوى باسم الشركة ونيابة عنها رفعها عضو آخر وذلك استنادا للأسباب المذكورة سابقا .  
         وكذلك نجد أنه وفقا لنص المادة 21 من قانون الشركات لسنة 2015 يجوز لأى مساهم اتخاذ الإجراءات القانونية لمنع أى تصرف يكون خارج اختصاصات وصلاحيات مجلس   الإدارة ما عدا التصرفات المتعلقة  بالإيفاء بتعهدات قانونية نشأت عن تعاملات سابقة للشركة .
     ولكن يجب ملاحظة أن مقاضاة الشركة تكون فى مواجهتها هى كشركة ذات شخصية اعتبارية وليس ضد الشركاء المساهمين فيها ، وإذا كان للشركة حق تطالب به فإن المقاضاة تكون باسمها هى ولا يجوز لأى شريك أن يقوم بالمطالبة بحق لصالح الشركة قبل الآخرين ، ويجوز للمساهم مقاضاة الشركة عن أى ضرر اصابه بسببها باعتبارها شخص مستقل عنه[5] .
سابعا : المسئولية المحدودة : أى عضو فى الشركة مسئول عن ديون الشركة فى حدود ما لم يدفع من قيمة الأسهم التى خصصت له ، وإذا كان قد قام بسداد كامل قيمة أسهمه فإنه يصبح غير مسئول تماما عن ديون الشركة ، ولا يطلب منه سداد أى مبلغ للإيفاء بديون الشركة حال التصفية إلا إذا وجد نص صريح فى عقد تأسيس الشركة على خلاف ما تقدم ، وقد أوجبت المادة 14 من قانون الشركات الفقرة ( ه ) النص على أن مسئولية الأعضاء محدودة بالأسهم ، وقد نص قانون الشركات لسنة 2015على  استثناءا على الأصل السابق وذلك بجعل مسئولية العضو غير محدودة وذلك على النحو التالى :
1/  فى حالة نقص أعضاء الشركة عن الحد الأدنى المقرر قانونا ، فوفقا لنص المادة 23 من قانون الشركات لسنة 2015 فإن الحد الأدنى لعدد عضوية الشركة هو إثنين ، فإذا نقص عدد الأعضاء عن إثنين ورغم ذلك زاولت أعمالها مدة ستة أشهر فإن العضو الذى يظل فى الشركة مع هذا النقص يلتزم بدفع جميع ديون الشركة التى ترتبت ليها خلال المدة المذكورة سابقا ويجوز مقاضاته بشأنها .
2/  كل مساهم كان طرفا فى مزاولة عمل الشركة  بقصد غش دآئنى الشركة أو دائنى أى شخص آخر أو لأى غرض احتيالى فإنه يكون مسئول مسئولية شخصية عن كل ديون الشركة والتزاماتها الأخرى أو بعضها حسبنا تقرره المحكمة ، ويكون ذلك بموجب قرار يصدر من المحكمة بناء لى طلب المصفى أو دائن أو مساهم أو ملزم بالدفع  وذلك وفقا لمص المادة 246 من قانون الشركات لسنة 2015 .
مسئولية الشركة المدنية : وفقا لنص المادة 24/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 يتمتع الشخص الاعتباري بكافة الحقوق إلا ما كان منها ملازما لصفة الإنسان الطبيعية ، وحيث إن الشركة وفقا لنص المادة لمذكورة سابقا تتمتع بالأهلية فى الحدود التى يعينها  سند إنشائها والتى يقررها القانون ، وعليه وتأسيسا على ما سبق فإن الشركة تكون محلا للمسئولية المدنية عن أى ضرر تسببت فيه أو عند فشلها بالقيام بأى التزام مفروض عليها ، أو بموجب المسئولية التقصيرية عن أى فعل وقع منها وسبب ضررا للغير وفقا لنظرية التابع والمتبوع عن كل فعل يقع من أحد منسوبيها بسبب قيامه بأعمال الشركة .
المسئولية الجنائية :  عرفت المادة ( 3 ) من القانون الجنائي لسنة 1991 كلمة " شخص "بأنها تشمل الشخص الطبيعي وكل شركة أو جمعية أو مجموعة من الأشخاص سواء كانت ذات شخصية اعتبارية أم لم تكن ، وترتيبا على ما تقدم وحيث إن الشركة تتمتع بالشخصية الاعتبارية لذا فهى لأغراض القانون الجنائى تعتبر شخص وبالتالى قهى مسئولة جنائيا عن كل الأفعال التى تقوم بها وتكون مخالفة للقانون الجنائى أو أى قانون عقابى آخر .



[1] - الوجيز فى القانون التجارى – دكتور سعيد يحيى – مرجع سابق – ص 166 وما بعدها
[2] - مبادئ القانون التجارى – د. محمد فريد الغرينى وآخر – ص 209/210 // قانون الأعمال – د. محمد فريد الغرينى وآخر – ص 212- 214
[3] - المرجع السابق – ص 214/215
[4] -  د. ابوذر الغفارى – مرجع سابق – ص 19 / القاضى بشير خليفة قسم السيد – مرجع سابق – ص 188/189
[5] - المرجع السابق – ص  188 //  د . أبوزر الغفارى – مرجع سابق – ص 20/21